منوعات

“قنديل بحر يتراجع عن البلوغ، وقرش يعيش قرونًا، وحوت تصل حياته إلى أكثر من 200 عام”.. تختلف هذه الكائنات في طرق بقائها، لكن ما يجمعها هو قدرتها على مقاومة بعض مظاهر التدهور المرتبط بالعمر، وهو محل دراسة واستغراب للعلماء..

October 20, 2026 • • 1 دقائق قراءة
“قنديل بحر يتراجع عن البلوغ، وقرش يعيش قرونًا، وحوت تصل حياته إلى أكثر من 200 عام”.. تختلف هذه الكائنات في طرق بقائها، لكن ما يجمعها هو قدرتها على مقاومة بعض مظاهر التدهور المرتبط بالعمر، وهو محل دراسة واستغراب للعلماء..
“قنديل بحر يتراجع عن البلوغ، وقرش يعيش قرونًا، وحوت تصل حياته إلى أكثر من 200 عام”.. تختلف هذه الكائنات في طرق بقائها، لكن ما يجمعها هو قدرتها على مقاومة بعض مظاهر التدهور المرتبط بالعمر، ويدرس العلماء خصائصها وتركيبها الجيني، من تجدد الخلايا إلى إصلاح تلف الحمض النووي، بحثًا عن تفسير للاختلاف الكبير في معدلات الشيخوخة بين الأنواع الحية.~يستطيع قنديل البحر Turritopsis dohrnii العودة من مرحلته البالغة إلى مرحلة البوليب، وهي مرحلة مبكرة من دورة حياته، في ظروف معينة، وبدلًا من مواصلة دورة الحياة في اتجاهها المعتاد، يعيد هذا النوع مساره إلى مرحلة سابقة، وهي قدرة جعلته موضع اهتمام الباحثين الذين يدرسون آليات التجدد والشيخوخة.
في يناير 2026، نشرت دورية “Nature Communications” دراسة عن النظام البصري لقرش جرينلاند، أطول الفقاريات عمرًا وفق التقديرات المتاحة، إذ قد يصل عمره إلى نحو 400 عام. ويعيش هذا القرش في مياه باردة شديدة الخفوت، وقد تصل أعماقه إلى نحو ثلاثة آلاف متر، كما تصاب قرنيته بطفيليات كثيرًا ما أثر التساؤلات بشأن قدرته على الرؤية.~لم يكن السؤال الذي تناوله الباحثون هو كيف يعيش القرش طويلًا فقط، بل كيف تحتفظ بعض أعضائه بوظيفتها عبر عقود وقرون. وللإجابة، جمع الفريق بين تحليل الجينوم، ودراسة الحمض النووي الريبي الذي يعكس نشاط الجينات، وفحص الأنسجة، واختبارات وظيفية لصبغات الإبصار.~أظهرت الفحوص أن الشبكية تحتفظ بالطبقات والخلايا الأساسية اللازمة للرؤية، وأن العينات التي تجاوز عمرها قرنًا لم تُظهر علامات واضحة على تنكس الشبكية، كما وجد الباحثون أن جينات الرؤية في الضوء الخافت، المرتبطة بالخلايا الحساسة للإضاءة الضعيفة، ما زالت سليمة ونشطة. وفي المقابل، فقدت جينات عديدة مرتبطة بالرؤية في الضوء الساطع وظائفها أو لم تعد تُعبّر عنها العين، وهو ما يتوافق مع بيئة القرش المعتمة.~رصد الباحثون تعبيرًا ملحوظًا لجينات مرتبطة بإصلاح الحمض النووي داخل الشبكية، و تسهم هذه الآليات في الحفاظ على سلامة النسيج العصبي البصري رغم العمر الطويل، لكن الدراسة لا تثبت أنها السبب الوحيد في ذلك.~الدراسة تقدم دليلًا على احتفاظ النظام البصري بوظيفته، لكنها لا تثبت أن جميع أعضاء القرش تقاوم الشيخوخة بالمستوى نفسه. كما أن بعض التحليلات النسيجية اعتمدت على عينات محدودة، وهو ما يجعل التحقق عبر مزيد من الأفراد والأنسجة خطوة ضرورية قبل تعميم النتائج.~يصل البحث إلى مسألة أكثر اتصالًا بالسرطان والشيخوخة البشرية عند الحوت مقوس الرأس، فالحوت الذي يتجاوز عمره 200 عام ويزن أكثر من 80 طنًا يمتلك عددًا هائلًا من الخلايا، ومع ذلك لا يبدو شديد القابلية للإصابة بالسرطان مقارنة بما قد يتوقعه العلماء من حجم جسمه وطول عمره.~تعرف هذه المفارقة في علم الأحياء باسم “مفارقة بيتو”، نسبة إلى الباحث ريتشارد بيتو، الذي لاحظ أن زيادة حجم الكائن وعدد خلاياه لا تقترن بالضرورة بزيادة متناسبة في خطر السرطان. وفي دراسة نشرتها مجلة “Nature في 29 أكتوبر 2025″، فحص الباحثون خلايا الحوت مقوس الرأس وقارنوها بخلايا بشرية وخلايا ثدييات أخرى. ووجدوا أن خلايا الحوت تصلح كسور الحمض النووي مزدوجة السلسلة بكفاءة ودقة أعلى، مع معدلات أقل من الطفرات وبعض التغيرات الكبيرة في بنية المادة الوراثية.~هذه الكسور من أخطر أنواع تلف الحمض النووي؛ لأن إصلاحها بطريقة غير دقيقة قد يؤدي إلى حذف أجزاء من المادة الوراثية أو إعادة ترتيبها، بما يرفع احتمالات اختلال وظائف الخلية. لكن خلايا الحوت أظهرت قدرة أفضل على التعامل مع هذا النوع من الضرر، ما يدعم فرضية أن الحفاظ على استقرار الجينوم إحدى وسائل مقاومة الأمراض المرتبطة بالعمر.~وحدد الباحثون بروتينًا يُعرف باسم CIRBP، يرتبط باستجابة الخلايا للبرد، ووجدوا أنه وفير في خلايا الحوت، وعندما زادوا التعبير عنه في خلايا بشرية، تحسنت كفاءة مسارات معينة لإصلاح الحمض النووي، وانخفضت بعض الأخطاء الناتجة عن الإصلاح، وفي تجارب على ذباب الفاكهة، ارتبط التعبير الزائد عن البروتين بزيادة العمر وتحسن مقاومة الإشعاع.~تضيف السلحفاة العملاقة جوناثان بعدًا آخر؛ فالجينوم، أي تسلسل الحمض النووي، لا يفسر وحده كيفية عمل الخلايا مع التقدم في العمر، فهناك أيضًا الإبيجينوم، الذي يشمل تعديلات كيميائية تؤثر في تشغيل الجينات وإيقافها من دون تغيير تسلسلها الوراثي.~وفي دراسة نُشرت في “Science Advances في 7 أكتوبر 2026” (https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov حلل الباحثون جينوم جوناثان، الذي يقدر عمره بنحو 194 عامًا، ودرسوا أنماط مثيلة الحمض النووي لديه، ثم قارنوا النتائج ببيانات أربع سلاحف من نوع ألدابرا، تراوحت أعمارها بين خمس سنوات وأعمار أكبر.~وجد الفريق اختلافات جينية لدى جوناثان في مسارات مرتبطة بالشيخوخة، كما رصد تغيرات في المثيلة وفي ما يسمى “إنتروبيا المثيلة”، وهو مقياس لدرجة اضطراب أنماط المثيلة. وتركزت مناطق منخفضة الإنتروبيا قرب المحفزات الجينية المرتبطة بسلسلة نقل الإلكترونات في الميتوكوندريا، المسؤولة عن إنتاج جانب أساسي من طاقة الخلية، وكذلك قرب جينات مرتبطة بمعالجة الحمض النووي الريبي.~الخلاصة .. تجمع الحالات الأربع آليات مختلفة، لا وصفة واحدة: إعادة تنظيم الخلايا لدى قنديل البحر، والحفاظ على أنسجة الشبكية لدى قرش جرينلاند، وإصلاح تلف الحمض النووي لدى الحوت مقوّس الرأس، والتفاعل بين الجينات والإبيجينوم والوظائف الخلوية لدى جوناثان.