تواجه حياة المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مخاطر تتجاوز صعوبات التركيز والانتباه، إذ يرتبط الاضطراب بارتفاع احتمالات الوفاة المبكرة، وفي مراجعة علمية حديثة، حلل باحثون بيانات ما يقرب من 16 مليون شخص، ووجدوا أن المصابين أكثر عرضة للوفاة لأسباب مختلفة، بينما ارتبط استخدام الأدوية المخصصة لعلاج الاضطراب بانخفاض خطر الوفاة لأي سبب.~ولفحص العلاقة بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والوفيات، بما فيها الوفيات بالانتحار والإصابات والأسباب الطبيعية؛ نشرت مجلة JAMA Network Open نتائج 19 دراسة شملت نحو 16 مليون مشارك، خلال مراجعة منشورة في 19 أكتوبر 2026.
يقدر بيان الإجماع الدولي للاتحاد العالمي لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، المنشور عام 2021، انتشار الاضطراب بنحو 5.9% بين الأطفال واليافعين و2.5% بين البالغين، ويعرف اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أنه حالة نمائية عصبية تبدأ في الطفولة وقد تستمر إلى مرحلة البلوغ، وتؤثر في الانتباه والتخطيط وتنظيم المهام وضبط الاندفاع.~وتظهر تأثيرات الحالة في تفاصيل الحياة اليومية، مثل نسيان موعد أو فقدان مفاتيح السيارة أو الإفراط في شرب الكحول خلال ليلة عمل، وقد تبدو هذه المواقف، كلٌّ على حدة، بسيطة، لكن تراكم آثارها قد ينعكس على الصحة والسلامة بمرور الوقت.~فتشتت الانتباه قد يزيد احتمالات الوقوع في حوادث مرورية، كما أن تفويت موعد طبي قد يؤدي إلى تأخير الفحص أو العلاج، بينما قد تجعل الاندفاعية الإقلاع عن بعض العادات الضارة أكثر صعوبة. ولا تعني هذه الاحتمالات أن كل مصاب سيواجهها، لكنها توضح كيف يمكن أن تتداخل أعراض الاضطراب مع سلوكيات ومواقف تؤثر في الصحة على المدى الطويل.~وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية CDC إلى أن أعراض الاضطراب قد تستمر لدى البالغين وتؤثر في العمل والعلاقات والعادات الصحية، وأن احتياجات العلاج والدعم قد تختلف باختلاف المرحلة العمرية والشخص.~راجع الباحثون 19 دراسة نُشرت بين عامي 2012 و2025، وشملت مجموعات سكانية من الولايات المتحدة وكندا والسويد وتايوان والمملكة المتحدة وفنلندا والدنمارك. وعلى الرغم من اختلاف أهداف هذه الدراسات وتفاصيلها، فإنها تناولت أنماط الوفيات المرتبطة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو بالعلاج المستخدم للتعامل معه.~ووصل إجمالي المشاركين إلى نحو 15.9 مليون شخص، وهو حجم عينة يصعب الوصول إليه عادةً في دراسة واحدة. ويساعد تجميع نتائج دراسات متعددة الباحثين على اكتشاف اتجاهات عامة قد لا تظهر بوضوح عند فحص كل دراسة منفردة، كما يتيح مقارنة النتائج عبر بلدان ومجموعات سكانية مختلفة.~واستخدم الباحثون بيانات 12 دراسة من أصل 19 في التحليلات الكمية لحساب نسب المخاطر، بمقارنة بيانات الوفيات لدى المصابين بالاضطراب ببيانات غير المصابين به.~وأظهرت النتائج أن المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ارتبطت حالتهم بارتفاع خطر الوفاة لأي سبب بنسبة 71%، مقارنة بغير المصابين. كما ارتبط الاضطراب بارتفاع خطر الوفاة بالانتحار بنسبة 89%، والوفاة الناتجة عن الإصابات المقصودة أو غير المقصودة بنسبة 55%، والوفاة لأسباب طبيعية بنسبة 27%.~وتعني هذه التقديرات أن الارتباط بارتفاع الوفيات لا يقتصر على الحوادث أو الانتحار، بل يشمل أيضًا الأسباب الطبيعية. لكنها لا تعني أن معظم المصابين سيموتون مبكرًا، ولا تحدد وحدها احتمال الوفاة لدى شخص بعينه؛ فالمخاطر المطلقة تتأثر بالعمر والحالة الصحية وعوامل أخرى.~وعن العلاج، وجد الباحثون ارتباطًا بين استخدام أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وانخفاض خطر الوفاة لأي سبب بنسبة 25% لدى المصابين؛ إذ بلغ تقدير الخطر النسبي 0.75، بفاصل ثقة يتراوح بين 0.64 و0.87، لكن هذا التحليل استند إلى ثلاث دراسات فقط، ولم يميز بين تأثيرات الأدوية المختلفة.~وتدعم هذه النتيجة دراسة سويدية نُشرت في JAMA عام 2024، شملت 148,578 شخصًا شُخّصوا بالاضطراب، تراوحت أعمارهم بين 6 و64 عامًا. ووجد الباحثون أن بدء العلاج الدوائي ارتبط بانخفاض خطر الوفاة لأي سبب خلال عامين؛ إذ بلغ معدل الخطر النسبي 0.79، كما ارتبط بانخفاض الوفيات لأسباب غير طبيعية، مثل الإصابات والانتحار والتسمم العرضي، بمعدل خطر نسبي بلغ 0.75.~لكن الدراسة السويدية لم تجد ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين بدء العلاج وانخفاض الوفيات لأسباب طبيعية؛ إذ بلغ تقدير الخطر النسبي 0.86، مع فاصل ثقة من 0.71 إلى 1.05. ويعني ذلك أن نتائجها تدعم وجود ارتباط بين العلاج وانخفاض الوفيات إجمالًا، خصوصًا لأسباب غير طبيعية، لكنها لا تثبت أن الدواء يمنع الوفاة بصورة مباشرة.~ويخلص الباحثون إلى أن الأدلة المتاحة تشير إلى وجود عوامل متعددة قد ترفع خطر الوفاة لدى المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وهو ما يعزز أهمية دعم إدارة المخاطر الصحية لدى هذه الفئة، والاهتمام بالمحددات الهيكلية التي تسهم بصورة غير متناسبة في تدهور صحتهم.~وتؤكد إرشادات المعهد الوطني البريطاني للتميز في الصحة والرعاية NICE، أهمية التقييم السريري المتكامل عند تحديد العلاج، ومتابعة فاعليته وآثاره الجانبية، وتعديل الخطة وفق احتياجات كل شخص.
Leave a Reply