في عام 1970 كان العالم العربي مجتمعًا فتيًا بامتياز: المرأة تنجب في المتوسط 6.9 أطفال، والعمر المتوقع عند الولادة نحو 50.7 عامًا فقط، وفق بيانات البنك الدولي التاريخية. فأسرة من عشرة أفراد لم تكن مشهدًا غريبًا، والوصول إلى السبعين كان امتيازًا لا قاعدة، وكانت الصورة أقسى في دول بعينها: في الجزائر بلغ معدل الخصوبة 7.7 أطفال للمرأة والعمر المتوقع 43.3 عامًا عام 1970، وفي مصر 6.1 أطفال و49.0 عامًا، وفي الأردن 8.2 أطفال و59.8 عامًا.~أرقام اليوم تبدو وكأنها من كوكب آخر قياسًا بتلك البداية.
جاءت الثمانينيات نقطة التحول الأولى: بدأ معدل الخصوبة العربي رحلة الهبوط إلى 6.3 أطفال عام 1980، بينما قفز العمر المتوقع إلى 57 عامًا مع انتشار التطعيم والرعاية الصحية الأولية والتعليم. كانت المعادلة التاريخية تتحرك: وفيات أقل أولًا، ثم مواليد أقل لاحقًا، وهي السلسلة المعروفة ديموغرافيًا باسم «التحول الديموغرافي».~وفي التسعينيات تسارع الهبوط: خصوبة عربية عند 5.2 أطفال عام 1990، وعمر متوقع عند 62.8 عامًا. كانت وفيات الرضّع في ذلك العام لا تزال مرتفعة عند نحو 63 وفاة لكل ألف مولود، لكنها كانت قد بدأت انحدارًا طويلًا سيغير معادلات السكان في المنطقة خلال جيل واحد.~بحلول عام 2000 كان التحول قد قطع شوطًا حاسمًا: خصوبة عربية عند 3.9 أطفال للمرأة (نحو نصف مستوى 1970)، وعمر متوقع عند 66.9 عامًا، ووفيات رضّع تراجعت إلى 47 لكل ألف مولود. ومع ذلك بقيت نسبة كبار السن فوق الخامسة والستين مستقرة عند 3.6% تقريبًا، لأن أجيال المواليد الكبيرة في القرن العشرين كانت لا تزال شابة أو في منتصف العمر.~واستمر المسار في العقد الأول من الألفية: خصوبة عند 3.6 أطفال وعمر متوقع قرب 69.8 عامًا في 2010، ووفيات رضّع هبطت إلى 35 لكل ألف. ثم جاءت حصيلة 2023 لتكمل مشهد النصف قرن: خصوبة عربية عند 3.1 أطفال، وعمر متوقع 72.4 عامًا (بزيادة نحو 22 عامًا كاملة عن 1970)، ووفيات رضّع عند 27 لكل ألف مولود، أي أقل من نصف مستوى 1990.~وعلى مستوى الدول في 2023، وصل العمر المتوقع في السعودية إلى 78.7 عامًا وفي الأردن 77.8 وفي تونس 76.5 وفي المغرب 75.3، بينما هبطت الخصوبة في تونس إلى 1.8 طفل، دون مستوى الإحلال، وفي المغرب إلى 2.2 وفي السعودية إلى 2.3. دول كانت قبل نصف قرن بين الأعلى خصوبة في العالم صارت اليوم قريبة من معدلات الدول المتقدمة.~ولم يكن المسار نسخة واحدة في كل البلدان: فدول المغرب العربي بدأت تحولها الديموغرافي مبكرًا نسبيًا منذ السبعينيات والثمانينيات مع برامج تنظيم الأسرة وانتشار تعليم الفتيات، بينما دخلت دول الخليج التحول من بوابة مختلفة: قفزات سريعة في الرعاية الصحية رفعت العمر المتوقع مبكرًا – بلغ في السعودية 72.6 عامًا بحلول 2000 – مع خصوبة ظلت مرتفعة فترة أطول قبل أن تهبط بدورها إلى 2.3 طفل في 2023.~والمغرب مثال آخر على سرعة التحول المتأخر: كان العمر المتوقع فيه 66.8 عامًا فقط عام 2000، فقفز إلى 75.3 عامًا في 2023، بزيادة ثمانية أعوام ونصف في أقل من ربع قرن. مكاسب العمر المتسارعة هذه تعني أن أجيالًا كاملة وصلت إلى سن الشيخوخة في مجتمعات لم تكن بنيتها الخدمية مصممة لهذا العدد من كبار السن.~ويقف المشهد الخليجي وحده في ذاكرة هذا التحول: ففي الإمارات والكويت والبحرين عام 2000 لم تتجاوز نسبة كبار السن 1.3 و1.5 و2.2% على الترتيب، وظلت منخفضة عقودًا لأن النمو السكاني كان مدفوعًا باستقطاب العمالة الشابة لا بالتركيبة الطبيعية للسكان. تجربة مختلفة تمامًا عن مسار المغرب العربي، وتذكير بأن «العالم العربي» ليس قصة ديموغرافية واحدة بل عدة قصص متزامنة.~لماذا تأخرت الشيخوخة إذن رغم كل هذا التحول؟ لأن الديموغرافيا تعمل بفاصل زمني طويل: مواليد السبعينيات والثمانينيات الكثر لم يبلغوا الخامسة والستين إلا في العقدين الأخيرين. لهذا ظلت نسبة كبار السن عربيًا قرب 3.6% عقودًا (3.3 في 1990 و3.6 في 2000 و3.6 في 2010)، ثم بدأت تتسلق إلى 4.6% في 2024، ويتوقع البنك الدولي أن تبلغ نحو 9.1% في 2050. قصة النصف قرن الأخير إذن هي قصة مجتمع شبّ ثم بدأ يكبر، والفصل الأهم منها لم يُكتب بعد.
Leave a Reply